المذكرة الإيضاحية
لمشروع قانون إنشاء المجلس القومى لحقوق الإنسان
----

كرم الله الإنسان ، وخلقه فى أحسن تقويم ، ونفخ فيـه من روحه وأسجد له ملائكته ، وعلمه ما لم يكن يعلم ، وأفاضت الرسالات السماوية فى تقرير حقوقه ، وصون كرامته ، كآدمى أيا كان جنسه أو أصله أو لغته أو لونه أو عقيدته ، وبلغت حقوق الإنسان مبلغ الضرورات والحتميات من أجل صلاح حال الفرد والمجتمع .
قال تعالى : " ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا" .
وامتثالاً لما أوصت به الرسالات السماوية من تكريم الإنسان واحترام حقوقه وحرياته ...
واستلهاماً لتاريخ شعبنا ، وحضارته القائمة منذ فجر التاريخ على هذه الأرض الخالدة ...
وإدراكاً وعرفاناً بفضائل الحرية والمساواة ، والتعاطف والإخاء ، والتسامح والاعتدال ، وتحريم الظلم ورفض البغى .. والاستمساك بالحق والعدل وسيادة القانون وحماية حقوق الإنسان ...
واتساقاً مع أحكام الدستور الذى سجل تلك الحقوق والحريات وفرض ضماناتها ،  واعتبر فى المادة 57 منه – العدوان عليها جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم ، فلا يتحرر مرتكبها من مسئوليته التى لا يمحوها زمن أيا كان مداه ، والذى أورد فى وثيقة إعلانه أن : "كرامة الفرد انعكاس طبيعى لكرامة الوطن ، ذلك أن الفرد هو حجر الأساس فى بناء الوطن ، وبقيمة الفرد وبعمله وبكرامته تكون مكانة الوطن ، وقوته، وهيبته ، وأن إنسانية الإنسان وعزته هى الشعاع الذى هدى ووجه خط سير التطور الهائل الذى قطعته البشرية نحو مثلها الأعلى ، وأن سيادة القانون هى أساس الحكم فى الدولة ".
وتواكباً مع ما درجت عليه أحكام المحكمة الدستورية العليا من تطبيقات متوالية لحماية حقوق الإنسان وحرياته ، من خلال رقابتها القضائية على دستورية القوانين ، ومـا أرسته ورسخته من معان سامية ، وقيم رفيعة تتضمنها النصوص الدستورية المتعلقة بهذه الحقوق والحريات ، وما أكدته هذه المحكمة من أنه " لا يجوز للدولة القانونية أن تنزل بالحماية التى توفرها لحقوق مواطنيها وحرياتهم عن الحدود الدنيا لمتطلباتها المقبولة بوجه عام فى الدول الديمقراطية ، ولا أن تفرض على تمتعهم بها أو مباشرتهم لها قيوداً ، تكون فى جوهرها أو مداها مجافية لتلك التى درج العمل فى النظم الديمقراطية على تطبيقها ، وألا تخل تشريعاتها بالحقوق التى يعتبر التسليم بها فى الدول الديمقراطية مفترضاً أولياً لقيام الدولة القانونية ، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصيته المتكاملة ".
وفى ضوء ما تدعو إليه المبادئ المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان التى أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة فى سنة 1993 ، وما أكد عليه المؤتمر العالمى لحقوق الإنسان فى السنة ذاتها من أهمية الـدور البنّاء الذى تؤديه مؤسسات حقوق الإنسان الوطنية ، وما دعا إليه هذا المؤتمر من تقوية هـذه الهيئات ، وما اقترحه الاجتماع الدولى فى باريس سنة 1991 من عناصر أو معايير للأداء الفعال للمؤسسات الوطنية المشار إليها ، وأهم هذه المعايير الاستقلال التنفيذى والمالى لتلك المؤسسات ، وتحديد اختصاصاتها وسلطاتها على نحو كاف ، وتيسير الوصول إليها والعلم بها ، وتوفير الكفاءة التنفيذية لها من حيث الموارد والهيكل الوظيفى المعاون ، وضمان التعاون بينها وبين الأجهزة الحكومية وغيرها .
فقد أعد مشروع هذا القانون فى ضوء ما تقدم كله، وتحقيقاً له ، دفعاً لمسيرتنا الديمقراطية ، وإرساء للشرعية الدستورية ، وانطلاقاً من حرص مصر الدائم على مسايرة أحدث التطورات العالمية فى مجال ترسيخ وتنمية وتعزيز حماية حقوق الإنسان ، وهو يحتل مكانة رفيعة فى فكرها وسياستها ، بحكم حضارتها وتاريخها العريق ، المعتز بشرف الإنسان والإنسانية .
ويستهدف هذا المشروع إنشاء مجلس قومى لحقوق الإنسان ، ابتغاء تعزيز وتنمية حماية هـذه الحقوق ، وترسيخ قيمها ، ونشر الوعى بها ، والإسهام فى ضمان ممارستها ، على أن يتبع هذا المجلس الجديد مجلس الشورى ، استهداءً بما ورد فى المادة 194 من الدستور ، التى جعلت من اختصاصات مجلس الشورى دراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بحماية المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات ، والواجبات العامة .
ويقرر المشروع للمجلس الشخصية الاعتبارية ، وينص على تمتعه بالاستقلال فى ممارسة مهامه وأنشطته واختصاصاته (المادة الأولى) .
ومما يكفل مزيداً من الاستقلال والحياد المنشودين للمجلس القومى لحقوق الإنسان أن تشكيله يكون من رئيس وعشرين عضواً جميعهم من الشخصيات العامة المشهود لها بالخبرة والاهتمام بمسائل حقوق الإنسان أو من ذوى العطاء المتميز فى هذا المجال ، وأن تشكيله يصدر بقرار من مجلس الشورى ، لمدة ثلاثة سنوات
(المادة الثانية) .
ومما يعزز استقلال المجلس ما أوجبه المشروع من تزويده بالعاملين المؤهلين والخبراء والمتخصصين ومن يلزم لأداء مهامه والنهوض باختصاصاته (المادة الخامسة) وما نص عليه المشروع من أن تكون للمجلس موازنة مستقلة ، وحساب خاص لموارده – فى أحد البنوك الخاضعة لرقابة البنك المركزى المصرى – يرحل ما قد يفيض منه فى أية سنة مالية إلى موازنته للسنة التالية (المادتان الحادية عشرة والثانية عشرة) .
وقد حدد المشروع فى المادة الأولى منه أهداف المجلس على نحو ما تقدم ، ثم بين فى المادة الثالثة منه صلاحياته واختصاصاته ومن أهمها وضع خطة عمل قومية لتعزيز وتنمية حماية حقوق الإنسان فى مصر واقتراح وسائل تحقيق هذه الخطة ، وتلقى الشكاوى من المواطنين والهيئات فى مجال حماية حقوق الإنسان ، ودراستها ، وإحالة ما يرى المجلس إحالته منها إلى جهات الاختصاص مع متابعتها ، أو تبصير ذوى الشأن بالإجراءات القانونية الواجبة الاتباع ، مساعدتهم فى اتخاذها ، أو تسويتها وحلها مع الجهات المعنية وكذلك متابعة تطبيق الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ، والتعاون مع المنظمات والجهات الدولية والوطنية المعنية بحقوق الإنسان فيما يسهم فى تحقيق أهداف المجلس وتنمية علاقاتها به ، والمشاركة ضمن الوفود المصرية فى المحافل الدولية والوطنية المعنية بحقوق الإنسان ، والإسهام فى إعداد التقارير التى تلتزم الدولة بتقديمها دورياً إلى لجان وأجهزة حقوق الإنسان تطبيقاً لاتفاقيات دولية ، وفى الرد على استفسارات هذه الجهات فى هذا الشأن ، والتنسيق مع مؤسسات الدولة المعنية بحقوق الإنسان ، والتعاون فى هذا المجال مع المجلس القومى للمرأة والمجلس القومى للطفولة والأمومة وغيرهما من المجالس والهيئات ذات الشأن ، والإسهام فى نشر ثقافة حقوق الإنسان وتوعية المواطنين بها ، وذلك بالاستعانة بالمؤسسات والأجهزة المختصة بشئون التعليم والتنشئة والإعلام والتثقيف ، وعقد المؤتمرات والندوات ، وتقديم المقترحات وإصدار النشرات والمجلات والمطبوعات المتصلة بأهداف المجلس واختصاصاته ، وإصدار تقارير عن أوضاع وتطور جهود مصر فى مجال حقوق الإنسان على المستوى الحكومى والأهلى (المادة الثالثة) .
وأوجب المشروع على أجهزة الدولة معاونة المجلس فى أداء مهامه وتيسير مباشرته لاختصاصاته وتزويده بما يطلبه من بيانات أو معلومات تتصل بهذا الاختصاص ، وأجاز المشروع للمجلس دعوة أى ممثل لهذه الأجهزة للمشاركة فى أعماله واجتماعاته دون أن يكون له صوت معدود فى المداولات (المادة الرابعة) .
ونظمت أحكام المشروع دعوة المجلس للاجتماع كل شهر على الأقل وكلما دعت الحاجة إلى ذلك ووضعت نظام التصويت فيه وحق رئيسه فى أنه يدعو لحضور اجتماعاته من يرى الاستعانة برأيه أو خبرته فى موضوع مطروح للبحث أو المناقشة دون أن يكون له صوت معدود فى المداولة (المادة السادسة) .
ونص المشروع على أن لرئيس الجمهورية أن يحيل إلى المجلس ما يراه من موضوعات تتصل باختصاصاته ، لدراستها وإبداء الرأى فيها ، وأن له دعوته للاجتماع إذا رأى حاجة لذلك (المادة السابعة) .
وأوجب المشروع إنشاء لجان دائمة ، من أعضاء المجلس ، لممارسة اختصاصاته ، ذكر منها لجاناً للحقوق المدنية والسياسية ، والحقوق الاجتماعية ، وللحقوق الاقتصادية ، وللحقوق الثقافية ، وللشئون التشريعية ، وللعلاقات الدولية ، ثم أجاز للمجلس إنشاء لجان دائمة أخرى من أعضائه كذلك ، بقرار يصدر بالأغلبية ثلثى الأعضاء (المادة الثامنة) .
ونص المشروع على أن يكون للمجلس أمين عام من أعضاء المجلس أو من غيرهم – يصدر بتعيينه قرار من المجلس ، ويختص بتنفيذ قرارات المجلس والإشراف على أمانته الفنية وشئون العاملين والشئون المالية والإدارية وفقاً للوائحه – التى يصدر بها قرار من مجلس الشورى ، دون التقيد بالنظم الحكومية
(المادتان التاسعة والرابعة عشرة) .
كذلك فقد نص المشروع على أن رئيس المجلس هو الذى يمثله فى صلاته بالغير وأمام القضاء
(المادة العاشرة) .
كما نص المشروع على أن يضع المجلس تقريراً سنوياً عن جهوده ونشاطه واقتراحاته فى نطاق ما يختص به ، ويرفع تقريره إلى رئيس الجمهورية وإلى رئيس كل من مجلسى الشعب والشورى (المادة الثالثة عشرة) .
ومشروع القانون مؤلف من خمس عشرة مادة أوجبت آخرها أن يعمل به من اليوم التالى نشره فى الجريدة الرسمية .
ومن المأمول أن يحقق هذا المجلس ، بما أوتيه من صلاحيات واختصاصات ، وما كفل له من استقلال فى ممارسة مهامه وأنشطته واختصاصاته ، ومن حيث تشكيله وإسناد تبعيته إلى مجلس الشورى – أن يحقق صوناً أعظم لحريات الأفراد والهيئات ، وحماية أوفر لحقوقهم ، وإتاحة مجال أفسح لممارسة الحقوق والحريات العامة التى كفلها الدستور ، وأعلتها رسالات السماء ، وليكون المجلس بذلك إضافة حضارية جديدة لإنجازات مصر فى مجال الحفاظ على كرامة المواطن ، وصون حقوقه ، فى مجتمع يضمن لذاته ألا تمتهن ، ولكيانه ألا يزلزل .
والمشروع معروض برجاء التفضل – لدى الموافقة عليه – بإحالته إلى مجلسى الشعب والشورى.
مع عظيم احترامى ،،


28 مايو 2003

                                                                                           وزير العدل
                                                                                             المستشار
                                                                                     (فاروق سيف النصر)


رجوع