التقرير السنوى للمجلس القومى لحقوق الإنسان

تابع - الفصل الخامس
أوضاع حقوق الإنسان فى مصر خلال عام 2004


ثانيا : الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

يكفل الدستور العديد من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويحمى القانون عددا من هذه الحقوق. كما تقع كذلك على عاتق الحكومة التزامات نابعة من انضمامها لعدد من المواثيق الدولية، يأتي في مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات منظمة العمل الدولية، وتؤكد برامج الحكومة على التزامها بالتنمية البشرية ومبادئ الحكم لصالح: سيادة حكم القانون، والشفافية، والمحاسبة، واستقلال القضاء.

وتقر المعايير الدولية مبدأى التدرج والإمكانية، كأساس لإعمال الحقوق المعترف بها، لكن هناك إجماعاً في فهم هذا المبدأ، بأن هناك حقوقاً مثل ضمان مبدأ عدم التمييز، أو مبدأ المساواة بين الذكور والإناث تتطلب الإعمال الفوري ولا يجوز تأجيلها أو التدرج فيها. أما الالتزامات الأخرى المرتبطة بتخصيص الموارد، فالدولة مطالبة وملزمة بأن تشرع في إعمالها دون تأجيل باتخاذ التدابير لضمان التمتع التدريجي بالحقوق(1).



مكافحة الفقر :

يعد التحرر من الفقر أحد حقوق الإنسان الرئيسية، ويتفق هذا المفهوم مع الحق في مستوى معيشة كاف للفرد والأسرة تكرسه المواثيق الدولية . وتؤثر حالة الفقر على طائفة واسعة من حقوق الأفراد الاقتصادية والاجتماعية والثقافة، وأيضا الحقوق المدنية والسياسية، كما يفضي انتشار الفقر إلى ظواهر اجتماعية خطيرة، ويخلق بيئة مواتية لتفشى الجريمة والانحراف والتطرف. وقديماً قيل إذا ذهب الفقر إلى بلد، قال له الكفر خذنى معك.

وتميز أدبيات حقوق الإنسان بين نوعين من الفقر، هما: الفقر المؤقت الذي يقع نتيجة لأسباب مؤقتة يزول بزوالها، مثل بطالة المؤهلين علميا وذوى الحرف، وحالة الفقر المزمن الذي يكمن في أسباب هيكلية في خصائص الأفراد ذاتهم مثل الأمية أو انخفاض مستوى التعليم، أو عدم تعلم حرفة، أو اعتلال الصحة، فهؤلاء يعانون الفقر وهم في حالة بطالة، وعند حصولهم على عمل لا يتكسبون منه دخلاً مناسباً يخرجهم من الفقر. كما قد ينشأ الفقر المزمن نتيجة أوضاع اجتماعية لا تتصل بخصائص الأفراد قدر اتصالها بالتركيب الاجتماعى وتوزيع الثروة، ومدى الفرص المتكافئة التى تتمتع بها فئات المجتمع المختلفة.

كما تميز الأدبيات نفسها بين حالة الفقر، والفقر المدقع، ويرتبط تحديد هذه الحالة بمستوى الدخل ومدى وفائه بالاحتياجات الأساسية، وهو ما يحدده خط الفقر.

كما تنبه الأدبيات كذلك إلى أن الآثار الضارة للفقر لا تقتصر على الجيل الحاضر، بل تمتد إلى الجيل التالي، بانعكاسها على أطفال الأسر الفقيرة الذين يمثلون القوى العاملة في المستقبل. كما تنبه إلى ما يعرف "بمضاعف الفقر" الذي يؤدى إلى اتساع نطاق الفقر من جيل إلى جيل.

وتلحظ الدراسات أن الفقر ظاهرة عالمية، ولا يقتصر فحسب على الدول النامية، كما تلحظ حساسية حكومات الدول النامية تجاه ظاهرة الفقر، حيث تنظر إليه باعتباره اتهاما موجها لها، وليس باعتباره أحد مظاهر التخلف الذي تعانى منه البلاد، وبالتالي ضرورة الاعتراف به واتخاذ السياسات الملائمة للتخلص منه(2).

ويعانى فحص الظاهرة على المستوى الوطني من التباسات في تحديد خط الفقر، كما كان يعانى من نقص البحوث الميدانية المتعمقة. لكن بدأت الحكومة منذ منتصف التسعينيات بإتاحة مثل هذه الدراسات، وتزويد الباحثين بالبيانات المتاحة مما يساعد على مواجهة الفقر ومظاهره. وظهرت حتى نهاية التسعينيات عدة دراسات متعمقة بنيت على بحوث على السكان الحضريين والريفيين، واستخدمت التعريفات الدولية، والمناهج العملية، واعتمدت خطا للفقر يتراوح بين 1332 جنيها و 1550 جنيها للفقـر سنويا(3).

بينت هذه الدراسات أن مظاهر الفقر في مصر تؤثر على نسبة تتراوح بين 27%  و48% من السكان، كما قدرت أن الفقر المدقع يصل إلى 8.6% من السكان، وأظهرت أن الفقراء والأكثر فقراً يتركزون في المناطق الريفية. وأوضحت إحدى الدراسات أن عدد الفقراء الذين يعيشون تحت خط الفقر يبلغ 15.7 مليون مواطن، وبلغت بهم دراسة أخرى إلى 26.8 مليون مواطن.

بينت هذه الدراسات كذلك المعاناة الخطيرة التي يتعرض لها الفقراء نتيجة تقليص دعم الأغذية جراء تنفيذ برنامج التكيف الهيكلي، وأن الوسائل التعويضية التي تبنتها الحكومة لم تكن كافية.

وكشفت نتائج هذه الدراسات عن فجوة خطيرة بين الفقراء وغير الفقراء في مجالات التعليم والحصول على الخدمات الصحية.

وقد بادرت الحكومة إلى إجراء دراسات مشتركة مع البنك الدولي من أجل وضع استراتيجية شاملة للحد من الفقر في مصر، وأعلن البنك الدولي في 9 يناير 2005 أولى نتائج هذه الدراسات وتغطى الفترة من 1996 إلى 2000 من التقرير، وأظهرت ما يلـي(4):

·   لا يزال تخفيف حدة الفقر أشد التحديات إلحاحا، وببلوغ دخل للفرد 1530 دولارا في عام 2000-2001 وقع اتفاق واسع النطاق على أن الفقر قد خفت حدته في العقد الماضي. غير أنه في غيبة تقييم دقيق ومنظم للفقر، كانت هناك اعتراضات حادة على التقييم الصحيح لمدى حدوث الفقر.

·  انخفض الفقر في مصر من % 19.4 عام 1995/ 1996 إلى 16.7%  في عام  1999/ 2000، لكن على الرغم من انخفاضه في المدن الحضرية ومصر السفلى، إلا أنه في ارتفاع في الوجه القبلي، ويثير بطء الاقتصاد المصري منذ 1999/2000 القلق حول احتمال زيادة الفقر.

·  يمثل الفقر في مصر، بالمؤشرات التى لا تتعلق بالدخل مثل الصحة والتعليم، تحديا كبيراً أيضا فعلى الرغم من أن معدل الالتحاق الصافي بالمدارس الابتدائية يبلغ 88%، إلا أن أمية البالغين لا تزال عالية حيث تبلغ حوالي 35%، وبالنسبة للصحة لا يزال عدد الأطفال الذين يموتون قبل بلوغهم 5 سنوات يبلغ 39 طفلا (لكل ألف من المواليد الأحياء). وهى نسبة أعلى من كثير من الدول التي يمكن المقارنة معها.

وبينما تحسنت بعض المؤشرات المتعلقة بالمساواة بين الجنسين من عام 1993 إلى عام 2002 مثل الإلمام بالقراءة والكتابة بين النساء الذي زاد من 34% إلى 54% ونصيب البنات من الالتحاق بالمدارس الابتدائية الذي زاد من 46.6 إلى 48.6% فإن الصورة الشاملة لا تزال تمثل انعدام مساواة شديد بين الجنسين، وتبين الإحصائيات الرسمية للبطالة أن البطالة بين الإناث تبلغ حوالي ثلاثة أضعاف نسبة البطالة بين الرجال.

·  أن ندرة المياه تمثل تحديا بالغ الأهمية بالنسبة لتخفيف حدة الفقر، إذ تبلغ المياه المتاحة 950 مترا مكعبا في السنة لكل فرد، وهو قدر يقل حتى عن المتوسط الإقليمي البالغ 1200 متر مكعب سنويا، ويعقد المشكلة أكثر المسائل التي ترتبط بنوعية المياه مثل التلوث وتشبع الأرض بالمياه.

·  تشير تقديرات المسئولين إلى أن البطالة تبلغ 9.9% ( على الرغم من أن المعتقد على نطاق واسع أنها أعلى من ذلك) ونمو قوة العمل بنحو 5.5 -6% سنويا، أي أن نحو 550000 شخص جديد يدخلون قوة العمل كل سنة. وتحتاج مصر لمعدل نمو حقيقي مستدام لإجمالي الناتج المحلى يبلغ 7% سنويا حتى تنخفض البطالة إلى مستويات يمكن التحكم فيها.

وكان أبرز اكتشافات الدراسة التي أجرتها الحكومة مع البنك الدولي هو أن التفاوتات الجغرافية والإقليمية كانت أهم في الواقع من العوامل الحاسمة التقليدية للفقر مثل الفصل بين سكان المدن والريف، وكشف التقرير أن الفقر قد انخفض في الواقع في المدن المصرية الرئيسية الأربع وهى القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد علاوة على منطقة دلتا النيل، ولكنه في تصاعد في منطقة جنوب مصر وذلك خلال السنوات الخمس المعنية (بين 1996- 2000) ونتيجة لذلك زادت الحكومة تركيزها على تحسين التفاوت بين المناطق.

كما كانت إحدى نتائج البحث الهامة كذلك تحديد صلة مباشرة بين التعليم والفقر، حيث تبين أن 46% من الفقراء هم أميون، بينما يقف المستوى العلمي لـ40% منهم عند مستوى التعليم الابتدائي أو أقل، ويعتبر ذلك الدليل أساسا ثانيا يساعد الحكومة بشكل أكبر على التركيز على بعض أبعاد الفقر غير المتعلقة بالدخل، مثل الأمية ونسبة الوفيات والرعاية الصحية.



التعليـم :

بذلت الحكومة جهودا جدية لإصلاح التعليم في مصر خلال العقد الأخير، وأثمرت هذه الجهود زيادة الالتحاق بالمدارس بين جماعات كانت محرومة من التعليم من قبل مثل الفتيات والأطفال في المناطق الريفية بصفة عامة، وفى صعيد مصر بصفة خاصة، وانخفض الحرمان من التعليم بمقدار النصف تقريبا تاركا وراءه حاليا 15% من المجموعات المهمشة خارج النظام.

ثمة إنجاز آخر هو زيادة معدلات الاستمرار في الدراسة بين المجموعات المهمشة، وبخاصة الفتيات.

كذلك أصدرت الحكومة المعايير القومية للتعليم بهدف الارتقاء بنوعية التعليم، وخفض مظاهر عدم التكافؤ إلى الحد الأدنى.

لكن على الرغم من ذلك استمرت مظاهر من عدم التكافؤ حيث ظل التحاق الفقراء بالمدارس أقل، ومستويات تحصيلهم أدنى، ويعانون من خدمات تعليمية متدنية الجودة، كما استمر الأداء المدرسي منخفضا بين الفقراء، وكذا ضعف حصولهم على المهارات المطلوبة في سوق العمل مما يضعف فرصهم فى التحرك لأعلى في السلم الاجتماعي، وعلاوة على ذلك فلا زالت هناك هوة بين الذكور والإناث في الحصول على التعليم.

" ويرصد المجلس انخفاض جودة التعليم فى المدارس والجامعات ومؤسسات التعليم المختلفة بوجه عام، وانخفاض القدرة التنافسية لمخرجات التعليم فى مصر بما لا يتناسب مع حق المواطن فى الحصول على تعليم عالى الجودة، ويوصى المجلس بسرعة إنشاء هيئة تضمن الجودة والاعتماد للتعليم التى أعلن عنها تكراراً على أن تكون مستقلة عن مقدمى الخدمات التعليمية، وحايدة، وتعلن تقاريرها بشفافية لكل المجتمع بما يتيح تقييم أداء مؤسسات التعليم بشكل دورى وبما يضمن الاسترشاد بمعايير معلنة ومؤشرات قياس متفق عليها للتعليم فى كل مرحلة من مراحله ".

ويرصد تقرير التنمية البشرية عن مصر، الصادر عام 2004، خمسة من مظاهر غياب العدالة في التعليم(5).

·  بلغ صافى معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي في صعيد مصر وبين الأطفال من الأسر ذات الوضع الاقتصادي والاجتماعي المنخفض 84% مقابل 97% في المحافظات الحضرية وبين الأسر ذات الوضع الاقتصادي والاجتماعي الأعلى. وفى المناطق الحضرية يصل معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي إلى 88% بالنسبة للفقراء، و96% لغير الفقراء. أما في المناطق الريفية، فإن الرقم يبلغ 72% مقابل 85%، ويأتي نصف عدد الأطفال غير المسجلين بالمدارس (7 : 11 سنة) من الفئات منخفضة الدخل(5).

·  تحيز الإنفاق العام للتعليم العالي حيث يوجه ثلث المصروفات للتعليم العالي الذي يشكل 6% فقط من إجمالي الالتحاق بالمدارس، بينما لم يحصل التعليم الأساسي الذي يشكل قرابة 80% من إجمالي الالتحاق بالمدارس إلا على 36% فقط من ميزانية التعليم العامة سنة 2002-2003(5).

·   تحيز الإنفاق العام فى المدخلات التعليمية (أي المدارس والأجهزة والفصول الجديدة) لصالح المدارس في المناطق الحضرية وفى مجتمعات الطبقة العليا والمتوسطة. الأمر الذي يؤدى إلى انخفاض الإنجاز في المدارس التي تخدم المجتمعات الفقيرة في المناطق الحضرية والنائية(5).

·   التفاوت في المنتج التعليمي: فغالبية الفقراء لا يحصلون إلا على التعليم الأساسي أو لا يحصلون على أي تعليم ( 86.2% لا يحصلون إلا على التعليم الأساسي فقط أو أقل، بينما 1.1% فقط هم الذين يحصلون على تعليم جامعي) (5).

ومن بين كل الأطفال المسجلين في الصف الأول الابتدائي يصل 97% منهم إلى نهاية التعليم الأساسي، مقابل 82% في ريف الوجه البحري وحضر الوجه القبلي، و72% فقط في ريف الوجه القبلي، وخلال العامين الماضيين ضاقت الفوارق بين معدلات التحاق بين الذكور والإناث، لكنها لا تزال موجودة.

·  التفاوت في الانتقال إلى التعليم الثانوي العام والتعليم الجامعي: يحول انخفاض نوعية التعليم دون مواصلة الطلاب الفقراء تعليمهم العالي، ذلك أن ثلث الأطفال فقط هم الذين يذهبون إلى التعليم الثانوي العام. بينما انتهى الأمر بالثلثين الباقيين، وهم أساسا من الفقراء، إلى الالتحاق بالتعليم الثانوي الفني (الزراعي والتجاري والصناعي) وعلاوة على ذلك فإن فرص التعليم العالي لخريجي المدارس الفنية (الجامعة العمالية، والجامعة المفتوحة، والمعاهد الفنية العليا إلخ) محدودة ومكلفة، كما أن مستوى جودتها موضع تساؤل كبير.

" ويرصد المجلس أن التعليم العالى الآن متاح لحوالى 30% فقط من الشباب فى المرحلة السنية من 18 إلى 23 سنة ( حسب تقارير وزارة التعليم العالى ولجنة التعليم بمجلس الشعب) ، وأن هذه الإتاحة غير متوافقة مع حقوق الشباب فى الحصول على تعليم عالى، ويوصى المجلس بزيادة هذه النسبة إلى 50% من الشباب فى هذه المرحلة السنية، خلال فترة زمنية محددة تلتزم بها الحكومة وتعلنها الدولة" .



العمـل :

يعتبر الحق في العمل والتوظيف المنتج من أهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإنسان فهو حق اقتصادي اجتماعي مزدوج، فالعمل المنتج لا يساعد على توليد الدخل فحسب، بل يحمى الإنسان من حالة التعطل الذي تؤثر على وضعه الاجتماعي ومعنوياته.

وتعد مشكلة البطالة من أخطر التحديات التي تواجهها البلاد، ورغم أن الإحصائيات الرسمية تشير إلى أن معدل البطالة قد انخفض من 11.1% في سنة 1986 إلى 9% سنة 1996 (حسب أرقام التعداد السكاني)، ثم انخفض إلي معدل ثابت بلغ 8% خلال فترة السنوات
( 1997/ 1998) ( 1999/2000 ) (حسب أرقام مجلس الوزراء)، إلا أن هناك دراسات متعمقة تعتقد بعدم صحة هذه المعدلات الرسمية بسبب ضعف أداء الاقتصاد المصري، وانحياز النمو الاقتصادي والاستثمارات نحو الأساليب القائمة على تكثيف رأس المال، وتشير إلى أن تعديل الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تعريفه للبطالة منذ سنة 1997 لاستبعاد أي فرد – محسوب ضمن القوى العاملة – يتلقى أي دخل من أي مصدر حتى وإن لم يكن يعمل، يفسر اتجاه معدل البطالة نحو الهبوط بشكل غير واقعي
(6).

ويوضح آخر مسح للقوى العاملة بالعينة أن البطالة في تزايد حيث ارتفع معدل البطالة إلي 9.2 % , 10.2% في عامى 2001 و 2002 علي التوالي, ومع التطورات الانكماشية التي شهدتها السنوات الثلاث الأخيرة, أصبح الاعتقاد السائد أن المشكلة أخطر مما تنم عنه الإحصاءات الرسمية.

وتذهب هذه الدراسات إلي أن طبيعة مشكلة التشغيل في مصر هيكلية بسبب وجود اختلالات حادة بين العرض والطلب في الحاضر والمستقبل, وأن توقعات المستقبل أكثر خطورة. حيث تشير إلى أن الحكومات المتعاقبة لم يكن لها سياسيات تشغيل مستقلة، وإنما اعتمدت على أن تحقق النمو الاقتصادي والاستثمار سوف يفضي إلى التشغيل، وكذا البرامج الطارئة والحلول المؤقتة(7).

وتوضح الدراسات أن البطالة في الأساس مرتبطة بشباب الخرجين الجدد الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة، بينما تختلف الأهمية النسبية للفئات العمرية الأخرى, كما نوضح أن البطالة تحولت تدريجياًُ إلى ظاهرة ريفية منذ منتصف التسعينيات، حيث أصبحت نسبة العاطلين فى المناطق الريفية عام 2002، 52.4% من أجمالى العاطلين, كذلك توضح الدراسات تحول البطالة إلي ظاهرة نسائية، حيث ارتفع عدد النساء اللاتي يعانين من البطالة بين 1976-1996 إلي مستويات تفوق كثيرا مستويات البطالة بين الذكور. وتصل معدلات البطالة بين الإناث إلى ثلاثة أضعاف البطالة بين الذكور.

وقد أدت عدم قدرة الاقتصاد المصري على توفير فرص لتشغيل الداخلين الجدد إلى سوق العمل إلى ظهور قطاع اقتصادي خاص ضخم غير منظم، مساو في حجمه للاقتصاد الرسمي العام والخاص، وعلاوة على ذلك ازداد التشغيل غير المنظم في القطاع الخاص المنظم وغير المنظم، وبدأ وفى وحدات الإدارة الحكومية والمؤسسات العامة بمعدل أعلى بكثير من المعدلات المقابلة لذلك في التشغيل المنظم.

ورغم أن بعض الدراسات الخاصة بسياسات التشغيل لا تنظر إلي القطاع غير المنظم نظرة سلبية تماما لما يتيحه من فرص التشغيل(8)، كما أن دراسات أخرى ترى أنه لا ينبغي النظر إلي العمل غير المنظم للإناث على الدوام على أنه نقمة حيث يتيح لهن - بفضل مرونته - تلبية التزاماتهن الأسرية والعمل في نفس الوقت، ولا يتطلب مستوى مرتفعا من التعليم أو المهارات(9)، إلا أنه يظل من منظور حقوق الإنسان يفتقر إلي العديد من الشروط المناسبة مثل الاستقرار في العمل، التأمينات والحماية الاجتماعية، والسلامة والصحة المهنية.

على صعيد آخر، استمرت مشاكل العمالة المصرية في الخارج واحدة من المشكلات التي تؤرق المجتمع المصري، ولا سيما أن مصر واحدة من أكبر البلدان المصدرة للأيدي العاملة في المنطقة، وتزداد مشاكل هذه العمالة أكثر في بلدان الخليج العربي حيث يخضعون لوطأة نظام الكفيل بكل مثالبه الخطيرة على حقوقهم المالية.

وثمة قضية تؤرق عشرات الآلاف من العاملين المصريين العائدين من العراق قبل يوليو 1990، حيث لم تصرف لهم تحويلاتهم المالية عند عودتهم للبلاد منذ ذلك الوقت. وتختلف هذه القضية عن تعويضات المتضررين من حرب الخليج التى صرفت لمستحقيها من صندوق التعويضات بالأمم المتحدة.

وتفيد تصريحات السيد وزير القوى العاملة والهجرة أن هذه الحوالات تبلغ 637 ألف حوالة تقدر قيمتها الإجمالية بنحو 406 ملايين دولار، وأنها جمدت ضمن الأرصدة المالية العراقية بسبب حربها مع الكويت (أغسطس 1990) وقررت الحكومة فى منتصف 2003 تشكيل لجنة من وزارتى القوى العاملة والخارجية والبنك المركزى ولجنة القوى العاملة بمجلس الشعب لمتابعة هذه القضية مع الأمم المتحدة فى ضـوء الأوضاع الاقتصادية للعراق(10).

ويشكو بعض أصحاب هذه الحوالات من أن تحويلاتهم سابقة على هذا التجميد وقدم بعضهم مستندات تفيد إتمام تحويلاتهم فى عام 1989.

كما ظهرت على السطح مشكلة أخرى تتعلق بالهجرة غير المشروعة للعمالة إلى بعض الدول العربية و الأوروبية، وقد ترتب على ذلك ترحيل هذه البلاد أعدادا كبيرة من العمال المصريين الوافدين إليها بطريقة غير شرعية، كما نتج عن ذلك العديد من الحوادث فى البر والبحر أثناء سفر هؤلاء العمال فى وسائل نقل غير مناسبة.



الحقوق التأمينية والتقاعدية :

تعتبر الحقوق التأمينية من أهم الحقوق الاقتصادية الاجتماعية، ويقاس مدى التقدم الاجتماعي بمدى اتساع هذه الحقوق حجما وتغطية. وتلعب صناديق التأمين والضمان الاجتماعي دوراً هاماً في إعمال هذه الحقوق.

وتشوب الأوضاع التأمينية في مصر ثغرات متعددة أهمها عدم وجود نظام تأمين ضد البطالة، وعدم تغطيتها للجمهرة العريضة من العاملين في القطاع غير الرسمي وعائلاتهم، حيث لا يخضعون لأية ترتيبات مؤسسية للحقوق التقاعدية، ولا يستخدم نظام التقييس  (indexation) الذي يقوم بالربط الآلي بين الرواتب التقاعدية ومعدلات التضخم السنوية أولا بأول(11)، والاكتفاء بزيادة سنوية في حدود 10% على ألا تزيد على 60 جنيها شهريا.

وقد أثار قلق المواطنين واعتراضهم خلال العام التزايد المطرد لاقتراض الحكومة أموال الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية، وما تردد حول اتجاه الحكومة لسداد قروضها للهيئة بأصول عينية من بينها "حرم السكة الحديد"، وقد نفت الحكومة ذلك، وأكدت الحكومة والهيئة العامة للتأمينات التزام الحكومة بضمان المعاشات التقاعدية.

وتبلغ ديون الخزانة العامة لصندوق التأمين الاجتماعي (حتى يونيو 2004) 23.8 مليار جنيه طبقا لتصريحات السيدة وزيرة التأمينات و الشئون الاجتماعية أمام لجنة القوى العاملة بمجلس الشعب(12)، وانتقد أعضاء من اللجنة عدم احتساب فوائد على مديونية الخزانة العامة، وتساءلوا عن مدى دستورية ذلك في حين أن بقية المديونيات لدى الجهات الأخرى يحتسب عليها فوائد باستمرار.



التالى

السابق

رجوع