|
التقرير السنوى للمجلس القومى لحقوق الإنسان
تابع -
الفصل الخامس
أوضاع حقوق الإنسان فى مصر
خلال عام 2004
الحق فى الحرية والأمان الشخصى:
يكفل الدستور والقانون هذا الحق، ويضع الضمانات الكفيلة بحمايته وعدم المساس
به، كما تسعى المؤسسات الدستورية المعنية إلى تطوير التشريعات الوطنية لتتلاءم
مع المعايير الدولية النابعة عن التزامات مصر بالاتفاقيات الدولية المتضمنة
لتلك المعايير، ومنها الحد من استخدام الحبس الاحتياطي كإجراء متبع خلال
التحقيقات الجنائية، والتوسع في الإفراج الشرطي.
لكن ظل استمرار حالة الطوارئ وفى نطاق قانون الطوارئ يمثل ثغرة كبيرة تحول دون
تمتع بعض المواطنين بهذا الحق على نحو يحجب الكثير من الضمانات التي يكفلها
قانون الإجراءات الجنائية.
وقد شنت السلطات الأمنية خلال العام عدة حملات اعتقال استهدفت إحداها كوادر
الإخوان المسلمين في شهر مايو، وظلت تجدد حبسهم احتياطيا لمدة ستة أشهر حتى
أفرجت عنهم في شهر نوفمبر، وجرت أخرى في أعقاب عمليات التفجير الإرهابية التي
استهدفت مواقع سياحية في طابا ونويبع
،
وشملت اعتقال أعداد كبيرة من أبناء سيناء، من بينهم نساء من أسر مطلوبين
احتجزوا كرهائن(17)،
وغنى عن الذكر أن المجلس يقدر تماماً خطورة جرائم الإرهاب وأثرها المحتم على
إحساس المواطن بالأمن، فضلاً عن أثرها المدمر للنشاط السياحى فى مصر ، ولكن
التوسع الكبير فى تطبيق نظام الحبس الاحتياطى، وفى غيبة معايير منضبطة وصارمة
يجرى الالتزام بها ، يحول هذا إلى خروج صارخ على أساسيات ومبادئ الشرعية
الإجرائية فى المسائل الجنائية.
كذلك ظل عدد قد يصل إلى آلاف من المحتجزين من منتسبي
الجماعات الإسلامية الذين جرى اعتقالهم خلال التسعينيات في إطار المواجهة
الأمنية مع الجماعات المتطرفة قيد الاحتجاز، وبعضهم أمضى فترة عقوبته ولم يفرج
عنه استناداً لقانون الطوارئ، وبعضهم الآخر يجرى تجديد اعتقاله تباعاً بعد كل
تظلم، ومنهم من يفرج عنهم دفتريا عند انقضاء المدد القصوى التي حددها القانون
حتى يصدر بشأنهم قرار اعتقال جديد .
ومن بينهم 65 محاميا جرى اعتقالهم خلال الفترة بين عامي 1989و 2003
ويعتبر العديد من هؤلاء محتجزين تعسفيا وفقا للمعايير الدولية التي تعتبر
الحرمـان من الحرية تعسفيا في الحـالات التالية
(18)
:
أ-
إذا كان واضحاً أنه لا يمكن التذرع بأي أساس قانوني ليبرره (كأن يبقى الشخص قيد
الاحتجاز بعد قضائه مدة عقوبته).
ب-
إذا كان الحرمان من الحرية ناجما عن حكم أو عقوبة فيما يتصل بممارسة الحقوق
والحريات المنصوص عليها في المواد 12، 18، 19، 22، 25، 26، 27 من العهد الدولي
الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ج- إذا كان عدم المراعاة الكامل أو الجزئي المنصوص عليه في الصكوك الدولية ذات
الصلة من الخطورة بحيث يضفي على الحرمان من الحرية أياً كان نوعه طابعاً
تعسفياً.
وكانت السلطات الأمنية قد أطلقت سراح بضعة آلاف من هؤلاء المحتجزين على دفعات
خلال السنوات الماضية، طبقا لمعايير أمنية أخذت بالأحوط، فلم يمكن تصفية هذه
الظاهرة المؤسفة، وبقى عدد قد يصل إلى آلاف منهم قيد الاحتجاز. ومهما قيل عن
خطورة هؤلاء على الأمن العام فتلك حجة مرسلة لا تكفى للخروج على القاعدة
الدستورية المقررة إعمالاً لمبدأ البراءة الأصلية .
وفى هذا الصدد فقد تقدم المجلس إلى وزارة الداخلية بقوائم لعدد 600 معتقل لبحث
حالاتهم ووافت وزارة الداخلية المجلس بردود شملت 265 حالة، تم الإفراج عن 51
حالة منهم، ويقوم المجلس بالمتابعة اليومية مع الداخلية. وإن كان يسجل الضآلة
النسبية لعدد المفرج عنهم، ويدعو فى معالجة هذا الأمر إلى اتباع معايير أكثر
وضوحاً واتفاقاً مع المعايير الدولية.
معاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين فى السجون :
استمرت جهود الحكومة في العمل على تحسين أوضاع السجناء وغيرهم من المحتجزين،
ومكافحة التعذيب، وشمل ذلك عدة إجراءات إيجابية، في مقدمتها إجراء وزارة
الداخلية تحقيقات إدارية في شكاوى التعذيب، و إحالة النائب العام المتهمين في
جرائم التعذيب إلى العدالة، وتنظيم دورات تدريبية لضباط الشرطة ووكلاء النيابة
في مجال حقوق الإنسان، وامتثلت وزارة الداخلية لحكم القضاء بإزالة الحواجز
السلكية بين السجناء وأسرهم أثناء الزيارة.
لكن الشكوى قد استمرت من استمرار سوء معاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين فى
السجون،
مما أفضى
في بعض الحالات إلى إضرابات مفتوحة عن الطعام على نحو ما حدث في سجن الغربانيات
في الإسكندرية في مطلع مايو2004 (19)
،
وليمان أبى زعبل اعتباراً من أول نوفمبر
(20)،
بينما استمر الجدل المحتدم منذ سنوات حول كيفية وضع نهاية لهذه الظاهرة التي
تنتهك حقوق المواطنين الدستورية والقانونية، وتسئ لسمعة البلاد، وتحول ملايين
المواطنين إلى أفراد خائفين متباعدين عن العمل العام مؤثرين السلامة على تحمل
مخاطر المشاركة الشعبية فى عملية التنمية الشاملة، وعلى مستقبل الإصلاح السياسي
كله.
شملت هذه الظاهرة، والتي تعتبرها الجهات المعنية مجرد حالات فردية،
حالات متعددة، بعضها حالات فردية على نحو ما تعرضت له أسرة سجين فار من سجن
المنصورة حيث اعتقل عشرات من أفراد الأسرة وتعرض بعضهم للتعذيب بالضرب
والتعليق، الأمر الذي أدى إلى حدوث إصابات ببعض المحتجزين من بينهم طفلة صغيرة
أدى الضرب إلى كسر ذراعها، وذلك بهدف الحصول على معلومات بصدد مكان اختفاء
السجين الهارب للقبض عليه
(21).
ومع أن الحماس المفرط فى السعى لمحاربة الجريمة وضبط مرتكبها قد يكون الدافع
المفرط لمثل هذا السلوك المخالف للقانون، إلا أن اعتبار المحافظة على حقوق
الإنسان وحرياته ينبغى أن يكون راجحاً على أى اعتبار آخر، وهذا الرجحان هو جوهر
الشرعية الإجرائية فى المسائل الجنائية ولا يجوز الخروج عليه مهما كانت
المبررات والدوافع,
وبعضها حالات جماعية على نحو ما جرى خلال عمليات الاعتقالات العشوائية التي جرت
في شمال سيناء حيث
ورد
تعرض كثير من المعتقلين وذويهم للتعذيب. وكذا ادعاءات تعذيب سبعة من المتهمين
في القضية رقم 462 لسنة 2004 حصر أمن دولة عليا المعروفة باسم " تنظيم الإخوان
المسلمين" مما أفضى إلى
إصابتهم إصابات متعددة فأصيب أحدهم بتبول لا إرادي نتيجة صعقه بالكهرباء فى
عضوه الذكرى، وأصيب آخر بكسر فى يده واختلال فى التوازن نتيجة الصفع
المتواصل على الأذن، وأصيب آخر بكسر فى ذراعه الأيمن، وآخر فى الضلوع، وقد شهد
محامو المنظمة المصرية لحقوق الإنسان الكثير من أوجه التعنت والتعسف مع
المتهمين مثل رفض رئيس النيابة مناظرة إصابات أحد المحتجزين، ووجود ضباط أمن
الدولة بمبنى النيابة بالمخالفة للقانون(22).
ولا تفضي ممارسة التعذيب إلى انتهاك الدستور والقانون وإيلام الضحايا
وانتهاك كرامتهم فحسب، ولكنها تفضي أيضا إلى تضليل العدالة، و لقد شهد عام 2004
استمرار تكرار ظهور براءة بعض المدانين في عدد من الجرائم بعد ظهور الجناة
الحقيقيين واعترافهم بارتكاب الجريمة، ومن ذلك ظهور براءة أربعة مدانين من
"طوخ" في قضية قتل خالد عبدالتواب يونس عام 2000، وكانوا قد اعترفوا بارتكابهم
الجريمة تحت وطأة التعذيب، وبعد قضائهم ثلاث سنوات من العقوبة، اعترف الجاني
بالواقعة مصادفة أثناء وجوده في السجن. وقد أمر النائب العام بإرسال صورة من
أوراق القضية إلى محكمة النقض التي تنظر طعن المتهمين الذين ظهرت براءتهم، كما
أحال خمسة من ضباط الشرطة الذين تورطوا في تعذيب المتهمين في هذه القضية إلى
المحاكمة(23).
وفى واقعة أخرى، قرر النائب العام قبل نهاية يناير إحالة ضابط شرطة إلى
المحاكمة بتهمة التعذيب والإكراه على الاعتراف والتزوير في محاضر رسمية، وذلك
لإجبار الممثلة "حبيبة" على الاعتراف بارتكاب جريمة قتل زوجها القطري الجنسية
قبل خمس سنوات. وجاء القرار بعد اتضاح ارتكاب الجريمة بواسطة أشخاص آخرين
(24).
وفى واقعة ثالثة، أمرت النيابة العامة بإعادة التحقيقات في الجناية رقم
6750/2004 جنايات الرمل، وأفرجت عن إبراهيم إبراهيم السيد الذي كان قد اعترف
أمام النيابة العامة تحت وطأة
التهديد بالتعذيب،
بقتل جدته التي قام بالإبلاغ عن مقتلها.
وجاء قرار النيابة العامة بعد القبض على القاتل الحقيقي الذي اعترف بارتكابه
الجريمة(25).
وفى
واقعة رابعة، اعترف متهم أمام النيابة العامة بتهمة سرقة إحدى السيارات،
وخلال المحاكمة تكشف من الوقائع أنه كان محتجزاً على ذمة التحقيق في قضية أخرى
في
ذات
تاريخ ارتكابه لجريمة السرقة(26)
.
وكذلك تواصلت خلال العام الادعاءات بنقل أصوليين إسلاميين يشتبه فى صلتهم
بتنظيم "القاعدة" أو تورطهم فى الإرهاب إلى مصر لانتزاع معلومات منهم تحت
التعذيب(27)، فأوردت منظمة العفو الدولية فى رسالة منها إلى الرئيس
الأمريكى فى مستهل فترة ولايته الثانية بثتها فى 19 يناير 2005 واقعة نقل معتقل
استرالى يدعى "ممدوح حبيب" سرا من باكستان إلى مصر حيث قضى ستة أشهر، ثم نقل
إلى معتقل جوانتنامو فى مايو 2002 حيث استمر اعتقاله بدون اتهام أو محاكمة أكثر
من عامين ونصف. ذكر حبيب لمحكمة فيدرالية فى نوفمبر 2004 أنه تعرض خلال اعتقاله
فى مصر لصنوف من التعذيب بينها الصعق الكهربائى والتعليق والضرب المبرح
والتهديد بالكلاب.
وكانت صحف أمريكية، ودولية قد دأبت على الإشارة إلى نقل أصوليين إسلاميين إلى
مصر وبعض الدول العربية الأخرى فى إطار أمر رئاسى أمريكى صادر فى أغسطس 2002 ظل
موضع انتقاد حاد داخل الولايات المتحدة حتى تم استبداله فى 30 ديسمبر 2004،
وتناولت بعض هذه المصادر وقائع محددة من بينها نقل ممدوح سعد إقبال مدنى، وهو
باكستانى اعتقل فى اندونيسيا فى يناير 2002، إلى مصر على طائرة تابعة للمخابرات
الأمريكية (CIA)
.
والمجلس إذ يورد هذه البيانات فى تقريره إنما يفعل ذلك استناداً إلى إحاطة
الجهات المختلفة بأمرها وما ورد بها من ادعاءات، وإلى أنه لم يتلق من تلك
الجهات رداً على الإطلاق، أو تلقى إجابات مرسلة ليس فيها ما ينفى الشبهات
القوية التى استندت إليها تلك الادعاءات.
كذلك أخذت مزاعم تعذيب الناشطين الإسلاميين أحمد عجيزه ومحمد الزارع
اللذين سلمتهما السويد لمصر بعداً دوليا، أولاً بانتهاك حقوقهم
في السويد
كطالبي لجوء حيث يحظر القانون تسليمهم إلى جهة
قد
يتعرضون فيها للتعذيب، وثانياً بنقل المطلوبين على طائرة
خاصة
مستأجرة من الولايات المتحدة إلى مصر، وثالثا بسبب إدانة عجيزه أمام محكمة
عسكرية. وقد دعت حكومة السويد، بعد كشف برنامج تليفزيوني في 17 مايو 2004
لمظاهر سوء المعاملة من جانب أطراف من الـدول الثلاثـة "لإجراء تحقيق دولي"
(28).
وقد أشارت
المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن لجنتي حقوق الإنسان والتعذيب
تحققان فـى هذه القضية(29).
وعلى صعيد مواجهة
التعذيب فى السجون ومراكز الاحتجاز،
يسجل المجلس ما تقوم به وزارة الداخلية من إجراء تحقيقات إدارية داخلية، وعقد
مجالس تأديب فى شكاوى ممارسة القسوة والتعذيب التى تصدر عن بعض رجال الشرطة،
لكن لا تعلن
فى معظم الحالات، كما تحيل النيابة العامة الحالات التى تستوثق
من صحتها إلى المحاكم. ومن ذلك موافقة المستشار النائب العام فى 24 ابريل 2004
على إحالة ضابط شرطة بمركز كفر شكر وخفير نظامى إلى محكمة الجنايات بتهمة تعذيب
عجوز لإجبارها على الإرشاد عن ابنها المطلوب على ذمة إحدى القضايا فى أكتوبر
2003(30).
لكن البحث فى هذه القضايا يستغرق وقتاً طويلاً، وقد لا تعلم أسر الشاكين
أو منظمات حقوق الإنسان التى تقدمت ببلاغاتها إلى النيابة العامة بمصير
تلك البلاغات. وقد تقدمت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان- وهى إحدى المنظمات
الأهلية التى تعمل فى مجال حقوق الإنسان- بمذكرة إلى المستشار النائب العام فى
6 ديسمبر 2004 تطالبه بالإعلان عن نتائج التحقيقات فى 25 بلاغ
تعذيب تضمنتها بلاغات المنظمة للنيابة العامة خلال عام 2004 وبينت
متابعتها الدورية لهذه البلاغات حفظ بعضها، وعدم اتخاذ أية إجراءات قانونية فى
بعضها الآخر(31).
وتقوم المحاكم المختصة بالنظر فى قضايا التعذيب التى تحال إليها، وأدانت خلال
العام عدداً من المتهمين فى هذه القضايا. ومن ذلك حكم محكمة جنايات الإسكندرية
فى القضية رقم 623 كلى الإسكندرية لسنة 2001 بحبس اثنين من ضباط الشرطة
لتعذيبهما مواطناً للاعتراف بقتل ابنته المختفية(32)، وحكم محكمة
جنح حلوان فى 25 نوفمبر2004 بحبس ثلاثة من ضباط الشرطة تعدوا بالضرب والسب على
أحد المحامين فى 3 أكتوبر 2003 وأحدثوا به إصابات يزيد علاجها على 20 يوماً(33)،
كما شرعت محكمة جنايات القاهرة فى 24 أكتوبر 2004 فى محاكمة خمسة ضباط من قسم
شرطة حلوان بتهمة قيامهم باحتجاز 9 مواطنين داخل القسم وتعذيبهم، وإحداث إصابات
بالغة بأجسادهـم بينتهـا التقارير الطبية(34).
وأصدرت المحاكم المصرية عددا من أحكام التعويض في قضايا التعذيب
(35)،
منها حكم محكمة جنوب القاهرة في 19 يوليو في الدعوى رقم 15358/ 2003 بتعويض
مصطفى إبراهيم أمين بمبلغ 14000 جنيه تعويضاً عما أصابه من تعذيب أثناء اعتقاله
من 7/7/1993 حتى 6/7/1995. وكان المذكور قد صدرت بشأنه قرارات اعتقال متكررة
حتى تم الإفراج عنه في 10 أكتوبر 2003
ومنها كذلك حكم محكمة جنوب القاهرة في 29يناير في الدعوى 24245 / 2003
بتعويض المواطن طارق عبد الستار أحمد مراد بمبلغ 15000 جنيه عما أصابه من
تعذيب. ومنها كذلك حكم محكمة جنوب القاهرة بتعويض حمدي محمود عبد المطلب عمارة
بمبلغ 14000 جنيه عما أصابه من تعذيب خلال فترة اعتقاله الثالثة في الفترة من
11/2/1996 وحتى 11/7/1998، وكان المذكور قد صدرت بشأنه عدة قرارات اعتقال حتى
تم الإفراج عنه في شهر يوليو 1998.ولا
شك أن هذا الدور الهام الذى يؤديه القضاء حين يصل الأمر إلى ساحته يعد ضماناً
فعالاً لتصبح الأمور فى مراحلها الأولى إذا علم المباشرون للتعذيب والمشاركون
فيه والساكتون عليه أن مآلهم فى النهاية إلى ساحة القضاء التى تراقب أعمالهم
وترد العدل إلى نصابه.
ومن ناحية أخرى وجه عدد من النواب في مجلس الشعب أسئلة إلى السيدين وزيري العدل
والداخلية بشأن بعض الحالات في نهاية نوفمبر 2004، وقد أكد المستشار وزير العدل
التزام مصر بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقية الدولية لحظر التعذيب،
وأن حالات الوفاة التي تحدث داخل أماكن الاحتجاز تخضع لسلسلة من الإجراءات
القانونية الواجب على النيابة العامة اتخاذها، وفحص أية شكاوى من أهل المجني
عليه، ومن ثم اتخاذ كافة الإجراءات الجنائية والتأديبية في حالات ثبوت وقوع أية
مخالفة أو أفعال مجرمة قانونا. كما نفى السيد وزير الداخلية رداً على السؤال
تعرض المواطنين لأي سوء معاملة بأقسام الشرطة، وأشار إلى وجود لجنة دائمة لحقوق
الإنسان بوزارة الداخلية ومكتب متخصص بمكتب النائب العام مسئول عن أية شكاوى
تتصل بهذا الموضوع. والمجلس إذ يقدر هذا كله فإنه لازال يرى وجود مفارقة كبيرة
بين النصوص التى تقرر هذه الضمانات، وبين واقع الممارسة اليومية التى هى
الحقيقة الوحيدة فى حياة المواطنين.
الحق في المحاكمة العادلة:
نص الدستور الصادر سنة 1971 على مبادئ المحاكمة العادلة، فنص على استقلال
القضاء وحيدته ، وحق المواطن فى اللجوء إلى قاضيه الطبيعى، وشرعية الجرائم
والعقوبات، وألا توقع عقوبة على أحد إلا بعد محاكمة عادلة يوفر له فيها حق
الدفاع. و قد نظم قانون السلطة القضائية رقم 48 لسنة 1971 ضمانات استقلال
القضاء، كما نصت القوانين الإجرائية على كافة ضمانات التقاضى من علانية ومواجهة
بالتهمة و بالأدلة، وغير ذلك من الضمانات التى تحقق مفهوم المحاكمة العادلة فى
المواثيق الدولية.
وقد درج القضاء على اتباع إجراءات المحاكمة العادلة وسطرت محكمة النقض فى
العديد من أحكامها الحرص على مراعاة المحاكمة العادلة فيما يعرض على القضاء من
قضايا.
بيد أن المعلومات المتصلة بالمحاكمات الجنائية كشفت عن وقوع قصور واضح فى عدد
من الحالات عن الالتزام بالعناصر الأساسية للمحاكمة العادلة ، يذكر فى هذا
الصدد الحالات الآتية:
1-
محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية التي تتشكل هيئاتها من قضاة عسكريين
يخضعون للتسلسل القيادي للقوات المسلحة.
2-
العمل بالقضاء الاستثنائي ممثلاً في محاكم أمن الدولة "طوارئ" التي تتشكل
بقرار من رئيس الجمهورية بناءً على قانون الطوارئ.
وقد أعلن المستشار النائب العام في مؤتمر صحفي في نهاية يوليو 2004 أنه سيتم
الحد من استخدام قانون الطوارئ في إجراءات التقاضي، إلا في الحالات التي تمس
أمن الدولة، وأن النيابة العامة تتجه إلى تضييق نطاق إحالة القضايا إلى محاكم
أمن الدولة العليا طوارئ.
3-
تصاعد المطالب الهادفة لإصلاح نظام الحبس الاحتياطى فى قانون الإجراءات
الجنائية كإجراء من إجراءات التحقيق والمحاكمة فى المسائل الجنائية حتى لا
ينقلب إلى عقوبة قائمة بذاتها تخالف قرينة البراءة، وذلك بوضع حد أقصى لمدة
الحبس الاحتياطى فى مرحلة التحقيق الابتدائى والمحاكمة، وإتاحة الحق للمتهمين
الذين تثبت براءتهم أو تحفظ التحقيقات الجنائية في حقهم، في المطالبة بالتعويض
عن الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم من جراء حبسهم احتياطياً.
وقد أوصى المجلس بوضع ضوابط صارمة للحبس الاحتياطى وتحديد نطاقه، وكذا السماح
بالمطالبة بالتعويض فى حالات إساءة استخدامه، أو استطالة مدته استطالة ينتهى
الأمر بعدها بالقضاء ببراءته من التهم التى حبس احتياطياً من أجلها.
4-
بذلت الدولة جهوداً عدة في السنوات الأربع الأخيرة للقضاء على البطء في إجراءات
التقاضي استجابة لمطالب الرأي العام، وذلك بزيادة عدد الدوائر وتعيين عدد أكبر
من القضاة وغير ذلك من برامج التدريب والتطوير، غير أن هذه الجهود لم تنجح في
تحقيق أهدافها في ضوء التزايد المستمر في عدد الدعاوى القضائية المنظورة أمام
المحاكم. مما يتعين معه زيادة عدد القضاة لمواجهة تزايد عدد القضايا، وإصلاح
الأجهزة المعاونة للقضاء، وتنقية القوانين من الإجراءات التى تساعد فى مد أجل
التقاضى، وإيجاد بدائل لحل المنازعات خارج ساحات القضاء.
على صعيد المحاكمات الاستثنائية أمام محاكم أمن الدولة "طوارئ"،
( أ )
قضت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ في 25 مارس بإدانة
26 فرداً بينهم 3 يحملون الجنسية البريطانية من المتهمين بالانتماء إلى تنظيم
حزب التحرير الإسلامي، ومعاقبتهم بالسجن بين عام واحد وخمسة أعوام
(36)
.
( ب ) وبعد مرور قرابة 11 شهراً منذ اعتقال الناشط الحقوقي "أشرف إبراهيم" في
19أبريل 2003،
قضت
محكمة أمن الدولة طوارئ في 11 مارس 2004 ببراءته مما هو منسوب إليه وأربعة
آخرين هم "ناصر البحيري" و"يحيى أمين" و"مصطفى البسيوني" و"ريمون إدوارد جندي"
جرى اعتقالهم في منتصف عام
2003
بتهمة تشكيل تنظيم سياسي يساري غير مشروع بهدف قلب نظام الحكم في البلاد، وكان
من بين الاتهامات التي جرى التحقيق مع
"أشرف إبراهيم"
فيها اتصاله بمنظمات حقوق الإنسان
وإمدادها
بالمعلومات عن انتهاكات السلطات لحقوق المتظاهرين ضد العدوان
الأمريكي البريطاني على العراق(37).
وعلى صعيد المحاكمات العسكرية، شهد عام 2004 تطوراً إيجابياً جديراً بالذكر
يتمثل فى عدم صدور قرارات جديدة بإحالة مدنيين للمحاكمة أمام المحاكم العسكرية،
على الرغم من توقعات مستمرة بإحالة ناشطين إسلاميين اعتقلوا في قضايا عدة عامي
2003 و2004 ووجهت إليهم اتهامات تتعلق بالمساس بأمن الدولة، وكانت قرارات إحالة
المدنيين إلى المحاكمات العسكرية قد جرى استئنافها عقب وقوع أحداث الحادى عشر
من سبتمبر 2001 بعد توقف كان قد استمر عشرين شهراً.
ولكن توبعت خلال عام 2004
إعادة محاكمة الناشط الإسلامي أحمد حسين عجيزة أمام المحكمة العسكرية، و كان قد
حكم عليه غيابيا بالسجن المؤبد في عام 1999 مع 106 آخرين بتهمة الانتماء لتنظيم
الجهاد، وجرى تسلمه من السويد
في
نهاية العام 2001، وجرت إعادة المحاكمة بعد موافقة رئيس الجمهورية على التماسه،
ولكن المحكمة العسكرية أدانته مرة أخرى
في 27 أبريل2004
وجددت معاقبته بالسجن المؤبد(38)
.
كما تابعت المحكمة العسكرية خلال العام قراراتها بمواصلة حبس 15 من
المتهمين في القضية المعروفة باسم "تنظيم جند الله" الذي يعد أحد خلايا تنظيم
الجهاد الإسلامي على ذمة التحقيق، وهم محتجزون منذ اعتقالهم في عام 2001 وجرت
إحالتهم إلى المحكمة العسكرية في يناير 2002 التي قررت تجديد حبسهم(39).
وقد صدق الحاكم العسكري منتصف العام على الحكم بعقوبة السجن المؤبد بحق
"أنور عباس" المشار إليه بأنه قائد الجناح العسكري لتنظيم الجماعة الإسلامية في
محافظة قنا، والذي عاقبته المحكمة العسكرية بالإعدام غيابياً في شهر يناير
2004، وكانت السلطات قد تسلمته من الإدارة الأمريكية في نهاية عام 2003 منذ
هروبه خارج البلاد في عام 1996، ووافق الحاكم العسكري على التماسه لإعادة
المحاكمة أمام دائرة قضائية عسكرية أخرى،
قضت بمعاقبته بالسجن المؤبد(40).
الاختفاء القسري
اختفى في 18 فبراير 2004 العميد أحمد سالم عبيد وزير الإعلام اليمنى السابق
الذي لجأ لمصر منذ حرب 1994،
ونفت السلطات في مصر واليمن معرفتها بمصيره، ونصحت السفارة اليمنية بالقاهرة
أفراد أسرته بالبحث عنه في المستشفيات وأقسام الشرطة وعمل إعلان عنه كمفقود في
الصحف المصرية، لكن ظهر المعارض اليمنى في عدن في 19 مايو بعد نحو ثلاثة أشهر
من اختفائه بالقاهرة،
وتبين أن السلطات المصرية ألقت القبض عليه وسلمته بعد ثمانية أيام إلى السلطات
اليمنية في تسوية أمنية مقابل تسليم اليمن بعض المطلوبين الإسلاميين لمصر، وأن
المعارض اليمنى قضى الأشهر الثلاثة في أحد أماكن الاحتجاز بصنعاء تحـت حراسـة
مشددة
(41).
ويشير هذا النوع من الممارسة إلى تغليب الاعتبارات الأمنية على
الاعتبارات القانونية، خاصة أن العميد "عبيد" لم يتهم بانتهاك القانون المصري،
ولم يكن مدانا من أي محكمة في بلاده، ولا ملاحقا قانونيا في أي اتهام محدد.
كما تنبه هذه الممارسة إلى أهمية وضع حد فورى لظاهرة الاختفاء القسرى فى مصر،
والتى زادت خلال العقد ونصف العقد الأخيرين بشكل مؤسف حيث وثقت منظمات حقوق
الإنسان المصرية عشرات الحالات وتلح منذ سنوات على السلطات إجلاء مصيرهم.
وقد وثقت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان 53 حالة خلال الفترة من عام
1992 إلى عام 2003، تم
إجـلاء مصير 17 منها (42)، كما تقدمت جمعية حقوق الإنسان لمساعدة
السجناء ببلاغات إلى السادة النائب العام ووزير الداخلية، ومدير مصلحة السجون
بشأن إحدى عشر حالة اختفاء قسرى جرت خلال الفترة من 1992 – 1996 لإجلاء مصير
المختفين، لكنها لم تتلق ما يفيد
إجراء تحقيقات فى هذه الحالات(43). فيما شهد عام 2002 أول حكم قضائى
بالتعويض
ضد وزير الداخلية "بصفته
"
بمبلغ مائة ألف جنيه مصرى فى واقعة اختفاء مصطفى محمد عبد الحميد عثمان عقب
القبض عليه فى عام 1989 فى أعقاب محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق (زكى
بدر)، ولم تتمكن وزارة الداخلية من إجلاء مصيره.
وعلى صعيد
حقوق المواطنة،
برز قبل نهاية العام على سطح الأحداث احتجاج المواطنين المسيحيين التي بدأت بما
وصفوه بـ"اختطاف زوجة أحد رجال الدين المسيحي" بمحافظة البحيرة وإجبارها على
الدخول في الإسلام، واعتبر المراقبون أن معالجات الدولة للقضية لم تتسم
بالشفافية الكافية، ولم تقدم العلاج المناسب للأزمة التي رأوها تهدد الوحدة
الوطنية والسلام الاجتماعي، نظراً لتجاوز مطالب المحتجين حدود القضية باتجاه
قضايا أخرى تتعلق بحقوق المواطنة.
وكانت السلطات قد استجابت لمطلب المواطنين المسيحيين المحتشدين في كاتدرائية
الأقباط الأرثوذكس بمنطقة العباسية بالقاهرة والبابا "شنودة الثالث" بابا
الإسكندرية بحق الكنيسة في مراجعة المواطنة المسيحية في شأن حقيقة تحولها إلى
الدين الإسلامي، ومد هذا الحق لكافة أتباع الكنيسة حال إبداء رغبتهم في تغيير
ديانتهم، كما لبت السلطات مطلب "البابا" بشأن الإفراج عن بعض أتباع الكنيسة
الذين اعتقلوا خلال الاحتجاجات.
ورغم الخلاف في وجهات النظر بين المراقبين وبعضهم البعض، وبينهم وبين السلطات
حول سبل معالجة القضية، وخاصة بشأن ما ورد عن إعلاء المعالجة الأمنية على حساب
المعالجة القانونية والاجتماعية، وعدم وضوح الآلية التي اتبعتها السلطات
والأساس القانونى الذى استندت إليه في تلبية مطلب المحتجين والكنيسة ، إلا أن
توافقاً وإجماعاً برز حول خطورة القضية على السلام الاجتماعي والوحدة الوطنية
للبلاد التي تتسم بها مصر عبر تاريخها، وعلى أنها تعبر عن احتقان اجتماعي
وسياسي أكثر من كونها ذات طابع طائفي ، ويتعلق الأمر في المقام الأول بالحق في
المواطنة والمساواة أمام القانون أكثر من تعلقه بالحق في حرية الفكر والاعتقاد،
وأن الحاجة باتت ملحة أكثر من ذي قبل لفتح باب الحوار بكافة أبعاده الدينية
والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بين القطاعات المعنية، وأن يتسم
هذا الحوار بالشفافية وبمشاركة فاعلة لقطاعات الرأي العام.
|