التقرير السنوى للمجلس القومى لحقوق الإنسان

الفصل الخامس
أوضاع حقوق الإنسان فى مصر خلال عام 2004


يستهل هذا التقرير إصدارات المجلس القومي لحقوق الإنسان عن حالة حقوق الإنسان والحريات العامة في مصر، وهو بهذه المثابة لا يقدم فحسب صورة "بانورامية" لهذه الحالة، ولكنه يقدم كذلك رؤية ومنهجية المجلس كأداة لتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات العامة في البلاد.

يشترك هذا التقرير مع غيره من التقارير العديدة التي تصدر على الساحة الوطنية من هيئات حكومية وغير حكومية في مرجعيته التي تستند إلى المبادئ الدستورية، والمواثيق العالمية لحقوق الإنسان، والقيم المستمدة من الأديان السماوية، والالتزامات القانونية النابعة عن انضمام البلاد إلى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وغيرها من المواثيق الدولية.

لكنه يتمايز عن هذه التقارير بخاصيتين تنبثقان عن قانون المجلس وطبيعة مهمته كما حددها نظامه الأساسي، فهو ليس وسيلة لتفسير أداء السلطة التنفيذية حيال السياسات القائمة والدفاع عنها، وهو أمر تقوم به أجهزة رسمية مختصة، ولا هو محض تعبير احتجاجي عن أخطاء أو انتهاكات تقع في مجال أو آخر على نحو ما يصدر عن بعض المنظمات غير الحكومية التي لا تملك صلاحيات مماثلة لتلك التي يوفرها القانون الأساسي للمجلس. وهو من ثم يجمع بين القراءة النقدية بوجهيها الإيجابي والسلبي، وتشخيص الوقائع وتحديد المسئوليات، ولا يتوقف عند اقتراح السياسات بل والسعي للتأثير فيها.


ويغطى هذا التقرير موضوعه في مجال الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال الفترة منذ أول اجتماع للمجلس القومي لحقوق الإنسان في نهاية شهر فبراير 2004 وحتى نهاية فبراير 2005.


أولاً : الحقوق المدنية والسياسية

1- الحقوق الأساسية :

الحق في الحياة

شهد عام 2004 انتهاكات مؤسفة للحق في الحياة، وقع بعضها بحق أفراد في قبضة السلطة، وارتكب بعضها جماعة متطرفة فجرت ثلاثة مواقع فى جنوب سيناء يوم 8 أكتوبر 2004 في عمل إرهابي مؤسف تعرضت له البلاد بعد نجاحها في السيطرة على هذه الظاهرة منذ مذبحة الأقصر في نهاية عام 1997 وأدى إلى قتل خمسة مصريين ونحو 30 من السياح الأجانب معظمهم من الإسرائيليين، وارتكب الجنود الإسرائيليون جريمة قتل لثلاثة من رجال الأمن المصريين هم الشهداء "هانى على صبحى النجار" (21سنة) و"محمد عبد الفتاح" (22سنة) و"عامر أبو بكر عامر" (22سنة) بعدما أطلقت عليهم دبابة إسرائيلية نيران رشاشاتها الثقيلة عبر الحدود فى مدينة رفح المصرية، في حادثة أثارت سخط الرأي العام المصري، واحتجاج الحكومة.

شملت وقائع انتهاك الحق في الحياة التي تقع في نطاق مسئولية السلطات العامة، نمطين بارزين من الانتهاكات:

تضمن النمط الأول والأخطر وفاة بعض المواطنين بشبهة التعذيب أثناء احتجازهم والتحقيق معهم، وشهد العام عدة حالات من هذا النوع. ففي مطلع يناير 2004 توفى محمد حسن إسماعيل (بائع متجول- 55 عاما) خلال احتجازه بقسم شرطة الأزبكية بالقاهرة، وفى 7 يناير توفى محمد السيد نجم (30 عاما- من ذوى الاحتياجات الخاصة) بعد ساعات من الإفراج عنه وهو في حالة غيبوبة من مقر مباحث أمن الدولة في مدينة بنها بالقليوبية حيث كان محتجزاً لمدة ثمانية أيام دون إذن قضائي أو اتهامات رسمية، وفى 13 مارس توفى خالد عبد النبي حسن (19 عاماً)خلال احتجازه بمركز شرطة فايد بمحافظة الإسماعيلية، وفى 20 مارس توفى السيد مصطفى موسى خلال احتجازه بمركز شرطة أوسيم بمحافظة الجيزة، وفى 13 أبريل توفى محمد مرسى صالح إثر مشاجرة بينه وبين أحد أفراد الشرطة، قام خلالها الأخير بإطلاق النار عليه في الطريق العام(1).

وفى 11 يونيو 2004، عثر على جثة ناصر محمد حسين عارية وفى حالة تورم شديد وسط الزراعات بعد أقل من 36 ساعة من القبض عليه في فجر يوم 9 يونيو بواسطة الشرطة من مسكنه بقرية ميدوم بمركز الواسطى في محافظة بنى سويف، وقد وجهت أسرته بلاغاً إلى النيابة العامة اتهمت فيه قوة الشرطة بالاعتداء عليه بما أدى إلى وفاته، ثم محاولة التخلص من جثته تملصاً من المسئولية (2).

وفى 12 سبتمبر2004، توفى عمرو عتريس حسن (31 سنة) داخل قسم شرطة إمبابة بمحافظة الجيزة بعد عشرة أيام من القبض عليه في قضية سرقة، وأبلغت أسرته النيابة العامة أنه توفى من جراء التعذيب (بلاغ رقم 12008 لسنة 2004/إمبابة) (3) وفى 23 سبتمبر توفى المواطن عبد التواب يوسف صلاح الدين أثناء احتجازه بقسم أول شرطة مدينة نصر بالقاهرة بعد القبض عليه في قضية سرقة، وأثبت التقرير المبدئي لمكتب صحة زينهم وجود جروح متجلطة سابقة لوفاته بوقت قصير (4). وفى 20 أكتوبر توفى المواطن على محمد المصلى داخل حجز مركز بيلا بمحافظة كفر الشيخ بعد يومين من إلقاء القبض عليه، و ذكر أهله أن وفاته وقعت نتيجة التعذيب وقدموا بلاغا للسيدين وزير الداخلية والنائب العام. وقررت النيابة العامة التحقيق في الواقعة وندب طبيب شرعي لتشريح الجثة، وقيد المحضر برقم 1903 لسنة 2004 تحقيق إداري مركز بيلا (5).

وفى 20 ديسمبر2004، توفى الحدث صدام حسين حافظ على (17 سنة) أثناء احتجازه بقسم شرطة الوراق بالجيزة على ذمة التحقيقات في قضية سرقة، وكان محتجزاً منذ 13 ديسمبر مع محتجزين بالغين، وقد أفاد ضباط القسم أنه أصيب بنزيف في الرأس عقب سقوط بعض المحتجزين فوقه أثناء نومه، وأن محاولات إسعافه بعد نقله للمستشفى العام لم تنجح، غير أن أسرة الضحية قد شككت في هذه الإفادة، وأبلغت أسرته جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان مشاهدتها جراحاً عدة في الوجه والقدمين بخلاف آثار نزيف الرأس والأذن (6).

ويتضمن النمط الثاني من انتهاكات الحق في الحياة التي تقع في نطاق مسئولية السلطات العامة، وفاة محتجزين نتيجة إهمال جسيم أو نقص في الرعاية الصحية، وكانت أبرز الحالات التي تابعها المجلس في هذا المجال، واقعة وفاة المهندس أكرم زهيري (40 عاما) في 9 يونيو 2004 بعد أقل من شهر من إلقاء القبض عليه في حملة اعتقال كوادر الإخوان المسلمين،  فرغم تدهور حالته الصحية منذ القبض عليه، لم تقدم له العناية الطبية الواجبة، كما أصيب بنزيف في الرأس عقب ارتطامه بعارضة سيارة الترحيلات الأمنية التي كانت تقله عائداً مع زملائه المعتقلين إلى السجن إثر عرضهم على النيابة، وجاءت استجابة الحراس متأخرة لاستغاثة زملائه ، ونقلته إدارة السجن إلى المستشفى الجامعي بعد فوات الأوان، حيث توفى بعد ساعات (7).

وقد أوفدت لجنة الأمن القومي بمجلس الشعب، بعد اتصالات على مستوى رفيع بين مجلس الشعب ووزارة الداخلية، وفدا لزيارة سجن طره للتحقق من سبب الوفاة وتفقد أوضاع المعتقلين والتأكد من تطبيق لوائح السجون. وقد أعلن أعضاء في اللجنة بعد الزيارة أن سبب وفاة المهندس زهيري هو الإهمال في علاجه وليس التعذيب (8).

وأثار قلق الرأي العام كذلك واقعة وفاة ثلاثة شبان وإصابة 19 آخرين بالاختناق جراء تكديسهم في سيارة ترحيلات أمنية في شهر أغسطس 2004، وكان الضحايا ضمن 80 شابا ألقت السلطات الليبية القبض عليهم لدخولهم ليبيا ومحاولتهم السفر إلى إيطاليا بطريقة غير مشروعة، وعقب تسليمهم للسلطات المصرية تم ترحيلهم إلى القاهرة داخل سيارتي ترحيل مكتظة بأكثر من ضعف طاقتها وتعوزها التهوية المناسبة، وفى درجة حرارة ورطوبة عالية، ولم يعر حراسهم من ضباط وجنود أدنى اهتمام لاستغاثاتهم المتتالية وشكواهم من الاختناق. وعقب فتح باب السيارتين داخل حجز ترحيلات الخليفة بعد 12 ساعة تبينت حقيقة الوضع، وتم نقل الحالات إلى المستشفيات المجاورة في حالة إعياء شديد، وأثناء إجراء الإسعافات توفى كل من أحمد إبراهيم ، وأشرف عبد الغفار عطية ، ومحمد إبراهيم البنداري لإصابتهم بهبوط حاد في الدورة الدموية(9).

وفى 26 ديسمبر توفى أشرف زكى مهران أثناء احتجازه بقسم شرطة شبرا الخيمة ثان بمحافظة القليوبية متأثراً بجراحه التي كان قد أصيب بها خلال مشاجرة، ورغم تلقيه العلاج الأولي، إلا أنه بقى محتجزاً لعشرة أيام دون رعاية طبية، واصل ضباط القسم خلالها احتجازه رغم قرار النيابة العامة بإخلاء سبيله يوم 16 ديسمبر، وعقب وفاته أفاد الضباط بأنهم واصلوا احتجازه لأنه متهرب من أداء الخدمة العسكرية(10).

وتتولى النيابة العامة التحقيق فى هذه القضايا وإحالة مرتكبى الجرائم للمحاكمات الجنائية، إلا أن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً، فمن بين وقائع الوفاة بشبهة التعذيب فى مراكز الاحتجاز التى سبقت الإشارة إلى وقوعها خلال عام 2004، لم يتم الفصل إلا فى حالة واحدة، وهى واقعة قتل المواطن محمد حسين حسن إسماعيل خلال الاعتداء عليه بالضرب المبرح بقسم شرطة الأزبكية يوم 3 يناير 2004، حيث قض ت محكمة جنايات القاهرة فى 11 أكتوبر 2004 بسجن المتهم أشرف فتحى الجنزورى (أمين الشرطة المنوب بالقسم) خمس سنوات(11).

لكن المحاكم تابعت الفصل فى الحالات العالقة من سنوات سابقة ومن ذلك أن محكمة النقض قررت فى 25 يناير 2004 تأييد الحكم الصادر بحبس رجال الشرطة المتهمين بتعذيب السجين احمد محمد عيسى حتى الموت داخل سجن وادي  النطرون فى 10 فبراير 2000(12)، كذلك أيدت محكمة النقض فى 4 أبريل 2004 الحكم الصادر من محكمة جنايات القاهرة ضد معاون مباحث مدينة نصر بتهمة تعذيب مواطنين فى يناير 2002 تعذيباً أفضى إلى وفاة أحدهما(13)، كما قضت محكمة جنايات القاهرة بسجن ضابط بقسم شرطة باب الشعرية لمدة خمس سنوات فى 17/1/2005 بعد إعادة محاكمته بتهمة تعذيب المواطن محمد الحسين إمام حتى الموت بالضرب بالسياط وتوصيل مصدر كهربائي إلى جسده(14).

فيما برأت محكمة جنايات الجيزة فى 22 ابريل 2004 جميع المتهمين بتهمة تعذيب المواطن قناوى سليم الصغير فى قسم شرطة إمبابة حتى الموت فى 7 مارس 2000(15).

كما تنظر المحاكم عدة حالات وفاة أخرى بشبهة التعذيب جرت فى سنوات سابقة من بينها محاكمة اثنين من الضباط وأربعة من المحتجزين أمام محكمة جنايات الإسكندرية فى 31 مارس فى قضية تعذيب أحمد خليل إبراهيم حتى الموت فى قسم شرطة الجمرك فى أكتوبر 2002(16). والجدير بالذكر أن المجلس تقدم فى 1 أغسطس 2004 باقتراح لتعديل تعريف جريمة التعذيب بموجب المادة 126 من قانون العقوبات، لتوسيع نطاقها وتشديد العقوبة عليها، على النحو الوارد تفصيلاً فى جزء آخرمن أجزاء هذا التقرير.

ومهما جرى التشكيك في مدى ثبوت بعض وقائع التعذيب المشار إليها، ومع تقدير المجلس للقرارات والإجراءات التى اتخذتها وزارة الداخلية لمساءلة بعض من باشروا تلك الوقائع، وما قامت به النيابة العامة من التحقيق مع عدد منهم و انتهى – فى بعض الحالات – إلى تقديمهم للمحاكمة الجنائية وتوقيع العقاب عليهم، فإن المجلس يعبر عن استمرار قلقه الشديد من تعدد هذه الوقائع، وخشيته أن تكون تعبيراً عن نمط سيئ من أنماط التعامل مع المتهمين والمحتجزين، مما يكشف عن ضرورة اتخاذ مزيد من الإجراءات والتدابير الصارمة، فضلاً عن التوجيه والتدريب المستمر سعياً لردع من يتصور أن اختصاصه الأمنى يمنحه حصانة فى مواجهة الحق الدستورى للمواطنين صغيرهم وكبيرهم حال اتهامهم أو احتجازهم أو الشك فى براءتهم، وضرورة معاملتهم المعاملة الإنسانية الواجبة التى يفرضها الدستور والقانون، كما تفرضها المواثيق الدولية والاتفاقيات التى صدقت عليها مصر، جاعلة منها - بذلك – جزءاً من القانون المصرى لايجوز- مهما كانت الأعذار والمبررات مخالفته وانتهاك حدوده، وانطلاقاً من ذلك كله حرص المجلس على معاودة النظر فى بعض نصوص قانون العقوبات التى تجرم التعذيب سعياً إلى زيادة فاعليتها وتوسيع نطاق تطبيقها.


التالى

السابق

رجوع